ابن كثير
70
البداية والنهاية
عندها الوعاظ في زماننا هذا ، فكان يكثر الجمع عنده حتى يكونوا من باب الناطفانيين إلى باب المشهد إلى باب الساعات ، الجلوس غير الوقوف ، فحزر جمعه في بعض الأيام ثلاثين ألفا من الرجال والنساء ، وكان الناس يبيتون ليلة السبت في الجامع ويدعون البساتين ، يبيتون في قراءة ختمات وأذكار ليحصل لهم أماكن من شدة الزحام ، فإذا فرغ من وعظه خرجوا إلى أماكنهم وليس لهم كلام إلا فيما قال يومهم ذلك أجمع ، يقولون قال الشيخ وسمعنا من الشيخ فيحثهم ذلك على العمل الصالح والكف عن المساوي ، وكان يحضر عنده الأكابر ، حتى الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي ، كان يجلس في القبة التي عند باب المشهد هو ووالي البلد المعتمد ووالي البر ابن تميرك وغيرهم . والمقصود أنه لما جلس يوم السبت خامس ربيع الأول كما ذكرنا حث الناس على الجهاد وأمر بإحضار ما كان تحصل عنده من شعور التائبين ، وقد عمل منه شكالات تحمل الرجال ، فلما رآها الناس ضجوا ضجة واحدة وبكوا بكاء كثيرا وقطعوا من شعورهم نحوها ، فلما انقضى المجلس ونزل عن المنبر فتلقاه الوالي مبادر الدين المعتمد بن إبراهيم ، وكان من خيار الناس ، فمشى بين يديه إلى باب الناطفيين يعضده حتى ركب فرسه والناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فخرج من باب الفرج وبات بالمصلى ثم ركب من الغد في الناس إلى الكسوة ومعه خلائق كثيرون خرجوا بنية الجهاد إلى بلاد القدس ، وكان من جملة من معه ثلاثمائة من جهة زملكا بالعدد الكثيرة التامة ، قال : فجئنا عقبة أفيق والطير لا يتجاسر أن يطير من خوف الفرنج ، فلما وصلنا نابلس تلقانا المعظم ، قال ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك ، فلما رأى الشكالات من شعور التائبين جعل يقبلها ويمرغها على عينيه ووجهه ويبكي ، وعمل أبو المظفر ميعادا بنابلس وحث على الجهاد وكان يوما مشهودا ، ثم سار هو ومن معه وصحبته المعظم نحو الفرنج فقتلوا خلقا وخربوا أماكن كثيرة ، وغنموا وعادوا سالمين ، وشرع المعظم في تحصين جبل الطور وبنى قلعة فيه ليكون إلبا على الفرنج ، فغرم أموالا كثيرة في ذلك ، فبعث الفرنج إلى العادل يطلبون منه الأمان والمصالحة ، فهادنهم وبطلت تلك العمارة وضاع ما كان المعظم غرم عليها والله أعلم . وفيها توفي من الأعيان : الشيخ أبو عمر باني المدرسة بسفح قاسيون ( 1 ) للفقراء المشتغلين في القرآن رحمه الله ، محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي ، باني المدرسة التي بالسفح يقرأ بها القرآن العزيز ، وهو أخو الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة ، وكان أبو عمر أسن منه ، لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية الساويا ، وقيل بجماعيل ، والشيخ أبو عمر ربى الشيخ موفق الدين وأحسن إليه وزوجه ، وكان يقوم بمصالحه ، فلما قدموا من الأرض المقدسة نزلوا بمسجد أبي صالح خارج باب شرقي ثم انتقلوا منه إلى السفح ، وليس به من العمارة شئ سوى
--> ( 1 ) في الأصل قايسون .